يتساءل الأردنيون بعد وصول النفط رقما قياسيا جديدا يقدر بمئة وسبعة دولارات للبرميل، عن حقيقة وجود النفط في حوض البحر الميت، والأسباب التي تدفع شركة عالمية كترانس جلوبال بتروليوم إلى الإعلان عن وجود احتياطيات نفطية تقدر بنصف بليون برميل على الأقل تنتج خمسين ألف برميلا يوميا تشكل نصف احتياجات الأردن النفطية، والأسباب التي تدفع الحكومة إلى إنكار تلك المعلومات متهمة الشركة بأنها مهلهلة وواصفة المعلومات التي قدمتها بأنها مضللة وعارية عن الصحة.
في الوقت ذاته، فإن ظهور شركة أيمن الحريري المدعوة بوروسيتي في الصورة، وحيازتها على 80% من حقوق الامتياز للشركة المذكورة في وادي الموجب والعسال، وكامل حقوق التشغيل يطرح تساؤلات كبرى حول الأسباب والدوافع التي حدت بالحريري الاستثمار في حوض الميت إن لم تتوفر لديه معلومات مؤكدة بوجود النفط. كما أن امتناع الشركة الجديدة عن القيام بأي عمليات حفر وهو ما كان يفترض أن تباشره بدءا من إبريل 2006، ولم يحدث حتى اليوم، يثير العديد من التساؤلات حول أهلية الشركة وكفاءتها وملاءتها المالية والفنية، كما يطرح تساؤلات أعمق حول دستورية وقانونية ذلك التنازل الذي تم بمعزل عن مجلس الأمة رغم أنه الجهة التي أصدرت القانون الخاص باتفاقية الشراكة مع ترانس جلوبال في المقام الأول.
وفي الوقت الذي ينوء فيه الأردنيون تحت أعباء المديونية وغلاء المعيشة وجنون أسعار النفط، تضحي مسألة التنقيب عن النفط قضية حيوية، بل وأولوية وطنية قصوى، ويضحي أي تباطؤ أو تقصير في عمليات الحفر والاستكشاف مثيرا للشبهات، ومولدا لفرضيات المؤامرة المفضلة لدى الكثيرين في الشارع الأردني.
الكثير من الأسئلة تتراقص في قضية نزاع ترانس جلوبال مع الحكومة الأردنية، وهي أسئلة سبق وأن طرحتها في أكثر من مقال، وأحاول هنا الإجابة عنها عبر هذا التحقيق الموسع الذي استغرقني أكثر من شهرين عدت فيها إلى مراجعة معظم ما نشر عبر وسائل الإعلام عن القصة وقابلت فيها عددا من المسؤولين في سلطة المصادر الطبيعية وشركة ترانس جلوبال ونقابة الجيولوجيين ، بالإضافة إلى عدد من خبراء النفط لاستيضاح بعض النقاط الفنية.
في هذا الاستطلاع أضع ما توصلت إليه من معلومات حول القصة بين يدي القارئ، بعدما أثارت الدعوى التي رفعتها شركة ترانس جلوبال بتروليوم على الحكومة الأردنية ممثلة بسلطة المصادر الطبيعية ووزارة الطاقة بقيمة 700 مليون دينار وتطالبها فيها بالتعويض عما لحق بها من أضرار جراء إيقافها عن العمل في منطقة امتيازها حوض البحر الميت في ديسمبر 2007 اهتمام وسائل الإعلام الأردنية والعالمية والقارئ الأردني الذكي، أولا لضخامة التعويض الذي تطالب به الشركة الحكومة الأردنية، وثانيها لأهمية الإعلان الذي كشفت عنه الشركة سابقا من احتمالية توفر النفط بكميات تجارية ضخمة في منطقة الامتياز، وثالثها للأسباب التي ادعت الشركة النفطية أنها تقف وراء تحريكها للدعوى.
وأتوقف هنا أمام ما صرح به خبير نفطي يعمل مع شركة ترانس جلوبال بتروليوم للأنباط قائلا: إن هذه هي المرة الأولى التي يرى فيها حكومة تنفي احتمالية وجود النفط في بلادها، في الوقت الذي تعلن فيه شركة نفطية عن وجود مثل ذلك النفط، حيث يمضي ذلك الخبير مستطردا: لقد عملت في أكثر من أربعين دولة حول العالم، وكانت الحكومات دوما أكثر تفاؤلا من شركات البترول، بل إن بعض الحكومات الأفريقية كانت تدعونا إلى استكشاف النفط في مناطق بركانية مؤكدة قناعتها بتوفره هناك، أما الحالة الأردنية فهي فريدة بالنسبة إلي، حيث توجد شركة رائدة في مجال اكتشاف النفط كترانس جلوبال تعلم الحكومة بتوفر النفط في منطقة تنقيبها، ثم تدير الحكومة ظهرها وترفض مناقشة اكتشافات الشركة، بل وتنكر وجود النفط من الأساس معتبرة أن الدلائل التي قدمتها الشركة لا تعني توفر النفط بكميات تجارية!
وأتوقف أيضا أمام رد مدير عام سلطة المصادر الطبيعية الدكتور ماهر حجازين على التهمة الأخيرة قائلا: إن السلطة لم تنكر وجود النفط، ولكنها غير مقتنعة بوجوده في المنطقة التي حفرت فيها شركة ترانس جلوبال، وذلك لوجود مهندسين من السلطة مرافقين لجميع عمليات الحفر التي تقوم بها الشركة ويرفعان تقارير يومية. هذان المهندسان لم يؤكدا اكتشافات الشركة، خاصة وأنهما كانا هناك في منطقة العمل حتى اليوم الأخير من الحفر.
وأتوقف أخيرا أمام مصادر أبت الكشف عن اسمها في سلطة المصادر الطبيعية اتهمت الشركة بصب الديزل ثم حرقه وتصويره لتعلن أمام الملأ وجود النفط، وهو ما أجاب عنه مصدر مطلع في ترانس جلوبال بتروليوم بأنه هراء، فاستخدام الديزل وحرقه هو جزء من عمليات الحفر الاعتيادية، والشركة ليست بحاجة إلى تصوير ذلك النفط المحروق لأنها تملك بيانات علمية وصور جيولوجية تم التقاطها عبر تقنيات حديثة تستخدم في المنطقة لأول مرة وتم تحليلها بكثافة ومراجعتها من قبل خبراء نفطيين عالميين لا صلة لهم بالشركة لرسم خارطة جيولوجية للمنطقة، تدلل جميعها على توفر النفط بكميات كبيرة .
أين الحقيقة في كل تلك الادعاءات؟
هذا ما نستطلعه سويا في هذا التحقيق المكثف علنا نصل إلى إجابات مقنعة.
الخط الزمني لتطور الأحداث:
ترانس جلوبال وبداية الأزمة:
بدأت قصة النفط المثيرة في حوض الميت بتوقيع شركة ترانس جلوبال بتروليوم جوردان الأمريكية المرخصة في الجزر العذارى، وهي فرع من شركة ترانس جلوبال بتروليوم التي أنشئت عام 1993 ومقرها الرئيسي هيوستون ، تكساس، اتفاقية مشاركة في الإنتاج (
PSA) مع الحكومة الأردنية ممثلة بسلطة المصادر الطبيعية التابعة لوزارة الطاقة.
منحت الشركة تلك الاتفاقية بعد التحقق من أهليتها من قبل مجلس الأمة والجهات الحكومية المعنية آنذاك، حيث أن الشركة كانت قد نجحت للتو في تحقيق كشف نفطي كبير في تدمر بسوريا، كما أنها سبق وأن عملت في دول أخرى كتركيا، بالإضافة إلى حقيقة أن مديرها العام السيد نزيه إبراهيم قد عمل مع ثلاث شركات نفط عالمية كبرى في أكثر من ثلاثين بلدا حول العالم، وشركته تقوم حاليا بالتنقيب عن النفط في مناطق واعدة في أفريقيا.
الاتفاقية أقرت من قبل مجلس الأمة عام 1997 بقانون خاص يحمل رقم ( 3 )، وباشرت أعمال الحفر والتنقيب على ثلاث مراحل استكشافية حسب الاتفاقية وفت فيها بالتزاماتها حسب شهادة سلطة المصادر الطبيعية في كتاب رسمي بتاريخ 11/12/2006، وحفرت بموجبها خمسة آبار استكشافية اثنان منها بعمق 2800 متر، وثلاث بعمق 600 متر في وادي الموجب والعسال وبكلفة وصلت إلى 29 مليون دولار.
تبدأ الأزمة، حسب رواية مصدر مطلع في شركة ترانس جلوبال بتروليوم بعد تسلم الدكتور ماهر حجازين مهامه مديرا عاما لسلطة المصادر الطبيعية بزمن قصير، حيث تغيرت أجواء العمل، وتعرض فريق الشركة لبعض المناكفات التي استدعت توسيط شخصيات حكومية لتسهيل الحلول الوسط بين الطرفين وقبول تمديد المرحلة الثانية للشركة، وذلك خلافا لما وصفه المصدر بانسيابية العمل السابقة منذ عام 1997، ولكن ملامح التأزم الحقيقية في العلاقة بين الطرفين ظهرت بعد نشر خبر على موقع أويل جاس انترناشيونال، وهو موقع مدفوع الثمن، بتاريخ 24/2/2005 يفيد باكتشاف احتياطي نفطي يقدر بنصف بليون برميل من النفط في حوض البحر الميت على الجانب الأردني.
الخبر المنشور أثار غضب سلطة المصادر الطبيعية فخاطبت شركة ترانس جلوبال (صاحبة الامتياز وعمليات الحفر في المنطقة) بهذا الشأن متهمة إياها بالتصريح للموقع المذكور دون إذن، منتهكة شروط اتفاقيتها الموقعة مع الحكومة الأردنية ، ولكن مدير الشركة نفى علمه بالموضوع.
وبالاستفسار عن سر غضب السلطة من مثل هذا الخبر، أجاب مصدر مسؤول في السلطة إنه وفقا للمواد 3 و 18 و 36 لا يحق للشركة نشر أي بيانات أو معلومات في وسائل الإعلام دون الرجوع إلى السلطة أولا والتفاهم معها، وأن المعلومات المنشورة لا يعرفها سوى مدير السلطة ومدير الشركة.
وبالعودة إلى مدير الشركة السيد نك أبراهام أو (نزيه إبراهيم)، فإن الخبر الذي تدعي السلطة نشره لم يسبق للشركة أن رأته مطلقا، كما أن السلطة لم تزودها بأي نسخة منه لإثبات حقيقة نشره.
ويثور هنا تساؤل صغير حول حقيقة الأسباب التي أثارت غضب السلطة، وهل كانت تخشى من التشويش الشعبي والحكومي عند انتشار خبر وجود النفط في البحر الميت، خاصة إن كانت تعتقد أنه غير صحيح، أم أنها تعتقد بصحته وهناك دوافع أخرى غير معلومة، خاصة وأن ذلك الموقع متخصص والدخول إليه ليس مجانيا، وباستثناء السلطة، فإن أحدا لم يدع أنه قرأ ذلك الخبر من الأطراف الأخرى المعنية أو من الجمهور الأردني والصحافة الأردنية!
تدخلات وعراقيل في المرحلة الثالثة رغم التبليغ عن وجود النفط
بعد انقضاء بضعة أشهر على تلك الأزمة، ومع اقتراب موعد الدخول في المرحلة الثالثة من الحفر حسب اتفاقية مشاركة الإنتاج اشتكت مصادر في ترانس جلوبال من أن الدكتور ماهر حجازين حاول منع الشركة من دخول المرحلة الثالثة التي يفترض ان تدخلها بشكل آلي طالما أنها أنهت التزاماتها في المرحلة الثانية ، وحاول فسخ العقد ملوحا بقدرته على اتخاذ قرار بعدم التمديد مدعيا أن الشركة لم تدخل المرحلة الثالثة، وأخيرا ، فقد نجح مدير عام السلطة في إجبار الشركة على تقديم اعتماد مالي اضافي لم يكن مطلوبا حسب الاتفاقية الأصلية التي أجازها البرلمان.
ومع أن مصادر في الشركة تتهم الدكتور حجازين بممارسة تدخلات تهدف إلى